وكالة الأنباء العراقية المستقلة بغداد ,,
ايمان
السوداني ,,
قبل انتشار
المصانع والمفروشات الجاهزة، كانت مهنة الندّاف واحدة من أهم المهن الشعبية في
العراق، ومعلماً ثابتاً في الأزقة والمحلات القديمة. الندّاف لم يكن مجرد صاحب
حرفة، بل شخصية معروفة، ينتظره الناس كما ينتظرون ضيفاً مألوفاً يحمل معه رائحة
القطن وذكريات البيوت الدافئة.
كان الندّاف
يتجول بين البيوت، أو يُستدعى في مواسم معيّنة، خصوصاً قبل الشتاء أو الأعياد،
ليقوم بنفش القطن والصوف وإعادة ترتيب الفرش والوسائد واللحف. صوته وهو ينادي في
الأزقة “ندّاف… ندّاف” كان جزءاً من المشهد اليومي، يوقظ الحنين قبل أن يوقظ
القطن.
تعتمد
الندّافة على أدوات بسيطة لكنها دقيقة؛ قوس خشبي مشدود بوتر، وعصا صغيرة يضرب بها
الوتر ليهتز وينفش القطن بهدوء وانتظام. كانت هذه العملية تحتاج إلى خبرة طويلة
وصبر، لأن أي خطأ قد يفسد القطن أو يجعل الفراش غير مريح. ولهذا، كان الندّاف
الماهر معروفاً ومطلوباً أكثر من غيره.
ولم تقتصر
الندّافة على كونها عملاً يدوياً فقط، بل كانت مناسبة اجتماعية داخل البيت. أثناء
العمل، تجتمع نساء الأسرة، تدور الأحاديث، تُستعاد الذكريات، وتتحول النفشة إلى
جلسة ألفة وبساطة. وكان الأطفال يراقبون المشهد بدهشة، يستمتعون بصوت الوتر
المتكرر وحركة القطن المتطاير.
اقتصادياً،
شكّلت هذه المهنة مصدر رزق شريف لعشرات العوائل، واعتمدت على الجهد البدني
والمهارة فقط، بعيداً عن التعقيد أو التكنولوجيا |