18/06/2024
الأخبار السياسية | الأخبار الأمنية | أخبار المحافظات | الأخبار العربية | الأخبار العالمية | أقوال الصحف العراقية | المقالات | تحليلات سياسية | تحقيقات | استطلاعات
عالم الرياضة | حوار خاص | الأخبار الثقافية والفنية | التقارير | معالم سياحية | المواطن والمسؤول | عالم المرأة | تراث وذاكرة | دراسات | الأخبار الاقتصادية
واحة الشعر | علوم و تكنولوجيا | كاريكاتير
ضرس تالف.. في فم العفن
ضرس تالف.. في فم العفن
أضيف بواسـطة
أضف تقييـم

وكالة الأنباء العراقية المستقلة بغداد ,, 

رائد العبودي

كندا – مونتريال

توقف الباص على حدود العراق مع الأردن. كان الوطن كله في ظهري والمجهول كله امامي، وليس معي غير مئة دولار أخفيها بعناية فائقة في جيبي سري اخترعته في أحد بنطلوني الجينز الذي أعدت صبغه في أحد الدكاكين المتخصصة بأعاده صبغ الملابس التي فرخها الحصار خلف سينما علاء الدين. خطوة فقط وانفصل

عن الوطن، وسنة واحدة وينفصل عقد التسعينات وتبدأ الألفية. كان الوطن يحتضر عندما قررت الرحيل، أما المواطنون فقد ماتوا جميعا منذ زمن بعيد، منذ ان عبرت سرفت اول دبابه عراقية الحدود الإيرانية معلنة حرب الخليج بنسخها الثلاث.

كان المواطنون في الوطن الذي قررت تركه قد تحولوا الى اشباح رمادية معتمه، لا روح فيها ولا نور، اشباح مذهولة بلحى كثة لم تحلق من فترو طويلة. اجساد شبحية قهرها ذل الرئيس فاستسلمت له وصارت تفوح منها رائحة ثقيلة هي نفسها الرائحة التي تفوح في أجواء الوطن: رائحة قميئة كائنها ضرس تالف في فم العفن.

كانت اشباح المواطنين العراقيين الهائمة في الشوارع تصدم بي مع كل خطوة تمضي بها قدماي في رحلة تيهي المحببة من ساحة الميدان الى ساحة التحرير.

كنت بالكاد اتحاشى الاصطدام بها بان ادير كتفي بسرعة يمينا ويسارا، لكنهم يصطدمون بي رغم حذري ويمضون دون اعتذار او حتى التفاتة..

لا ألوان في شوارع الوطن الذي قررت تركه معتمدا على مئة دولار في جيب سري في بنطرون جينز شبه مهترئ وماعد صبغه. فقط الون الأسود والرمادي هما اللذان يستبدلان لوحة الوطن الذي طاح صبغه هو الاخر.

كنت اتنفس من ثقب صندوق البريد الذي استأجره لي والدي في مكتب بريد الميدان. كان هذا الصندوق رئتي وعيني: الرئة التي اتنفس منها هواء الدنمارك او السويد او فنلندا فلم أكن اعلم بعد أي بلد ستوصلني اليها تلم المئة دولار، والعين التي أرى بها ألوان حدائق وشوارع وبنايات كندا او أمريكا او استراليا فانا لم أكن متيقنا تماما ان بنطلون جينز شبه ممزق ومصبوغ سيوصلني لأي بلد ملون وهوائه نقي.

كنت اراسل كل شيء واي شيء. ابعث رسالة لأي عنوان أجنبي اعثر عليه في أي مكان وانتظر الجواب لكي ابقى على قيد الحياة وحتى استنشق ما علق بجواب الرسالة الأجنبية من هواء صحي وبقايا حرية من البلد الذي جئت منه. مر امسكت بورقة مجلة اجنبية ممزقة ومتسخة يدحرجها الهواء في شارع الجمهورية قرب المدخل المؤدي الى الفضل , بعثت برسالة الى العنوان المكتوب فيها وجائني الرد بعد شهر : ناسف على إعادة رسالتك اليك العنوان لم يعد موجودا .

حين وصلت الى مونتريال، وفي عيادة طبيب الأسنان اللبناني صرخت مساعدة الطبيب عندما فتحت فمي لتقيم حالة اسناني:

هذا مرعب قالتها بالفرنسي حتى لا افهم لأنها لم تتوقع أنى جئت من بغداد أتكلم الفرنسية والإنكليزية.

اكتشفت في تلك اللحظة في عيادة الدكتور دبار، وبعد صرخة مساعدته، اني كنت أيضا شبحا  , شبحا من أشباح الوطن الرمادية القاتمة التي بلا روح وبلا نور .

لم اك قد رئيت نفسي بعد. كنت مشغولا طوال الوقت، من قادسية صدام ما بعد ام المعارك، مشغولا بمراوغة صدام والحصار والحدود والقفز عكس المنطق والمعقول والإمكانات المتاحة والوصول الى بلد ملون بهواء نقي وبلا اشباح هائمة.

مونتريال   

رابط المحتـوى
http://www.ina-iraq.net/content.php?id=96461
عدد المشـاهدات 481   تاريخ الإضافـة 02/05/2023 - 14:15   آخـر تحديـث 18/06/2024 - 09:33   رقم المحتـوى 96461
 
محتـويات مشـابهة
نصيف: سأطعم الجميلي بجلسة الاستجواب من الرز العفن
قضاء الرمادي يرفض تسلم الزر "العفن" ويطالب التجارة باستبداله
 
الرئيسية
عن الوكالة
أعلن معنا
خريطة الموقع
إتصل بنا