وكالة الانباء العراقية المستقلة
الصحف بين الماضي والحاضر ..
وكالة الأنباء العراقية المستقلة بغداد ,,,
من ذاكرة المقاهي الى هامش الاعلانات ,,
العراقية / وسن الجبوري ,,,
لم تكن الجريدة في الشارع العراقي يوماً مجرد اوراق تطبع وتباع .. بل كانت مرأة لحياة المجتمع ونافذة يطل منها المواطن على أحداث بلده والعالم .. ففي الماضي كان أقتناء الصحيفة جزءاً من الثقافة اليومية وكان القارء ينتظر صدورها ليطلع على الاخبار ويتابع المقالات والتحليلات .. وكان بينه وبين صفحاتها موعداً لا يتخلف عنه .. اما اليوم فقد تبدل المشهد وتراجعت مكانة الصحافة الورقية أمام زحف التكنلوجيا وانتشار الهواتف الذكية حتى بات حظور الجريدة في الحياة اليومية اقل مما كان عليه في السابق .
المقاهي .. حين كانت الجريدة تجمع العقول
في المقاهي العراقية القديمة كانت الجرائد حاضرة على الطاولات يتناولها رواد المقهى من يد الى اخرى ويتوقفون عند العناوين ويتناقشون في الاخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. حيث لم يكن المقهى مكانا لشرب الشاي والقهوة فحسب بل مساحة للحوار وتبادل الاراء .. وكانت الجريدة محور يجمع بين اشخاصا تختلف افكارهم لكنهم يشتركون في الرغبة بمعرفة ما يجري ..
اما اليوم فتغيرت صورة المقهى العراقي فالهواتف الذكية احتلت المساحة التي كانت تشغلها الصحف .. وانشغل كثير من الجالسين بتصفح مواقع التواصل ومتابعة الاخبار السريعة والمقاطع المتداولة بينما كانت الجريدة تفتح باب النقاش بين مجموعة من القراء .. اصبح كل شخص يعيش عالمه الخاص خلف شاشة هاتفه حتى غدا الصمت الرقمي بديلا عن احاديث كانت تمتد لساعات .
جريدة رخيصة الثمن ... وقراء اقل
المقارنة اللافته ان الجرائد الورقية رغم انخفاض اسعار كثير منها لم تعد تحضى بالاقبال الذي عرفته في الماضي .. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بثمن الصحيفة وحده بل بتغير عادات القراء وسرعة الوصول الى المعلومات عبر الانترنت وتراجع اهتمام شريحة من المجتمع بالمحتوى الصحفي الورقي .. وهكذا قد تبقى الصحيفة معروضة للبيع ولا يجد من يشتريها في وقت يستطيع فيه القارئ الحصول على عشرات الاخبار بضغظة زر واحدة .
لكن هذا التراجع يطرح سؤالاً يتجاوز مسألة البيع والشراء ..
هل فقدت الصحافة الورقية دورها ..أم انها لم تنجح بما يكفي في تجديد اساليبها والوصول الى جيل اعتاد السرعة والمحتوى الرقمي ؟
فالتكنلوجبا غيرت وسيلة الوصول الى الخبر لكنها لم تلغ حاجة المجتمع الى الصحافة المهنية والتحليل الرصين والمعلومة الموثوقة ..
من متابعة الاحداث والتحليلات والتقارير الى انتظار الاعلانات الرسمية
ومن ابرز التحولات التي تستحق التأمل ان بعض القراء باتوا يتعاملون مع الجريدة بوصفها وسيلة لمتابعة الاعلانات الرسمية وخصوصا ما يتعلق بالتعيينات الرسمية والقرارات الحكومية والمناقصات والتعليمات الادارية فأصبحت الصحيفة لدى هذه الفئة مطلوبة عند الحاجة الى معلومة رسمية محدودة ثم تعود الى هامش الاهتمام بعد انتهاء الغرض منها .
وهنا تظهر المفارقة الحقيقية ..
وسيلة كانت تجمع الاخباروالتحليلات والتقارير والرأي بات بعض الناس يفتحون صفحاتها بحثا عن اعلان او اسم ضمن قوائم التعيينانت ولا يعني ذلك اان الاعلانات الرسمية فقدت اهميتها فهي جزء اساس من وظيفة الصحافة .. لكن اختزال علاقة القارئ بالجريدة فيها وحدها يكشف حجم التحول الذي اصاب ثقافة القراءة ومكانة الصحافة الورقية .
وختاما
ان تراجع حظور الجرائد في الشارع العراقي والمقاهي ليس مجرد تغير في وسيلة القراءة بل هو تحول في علاقة المجتمع بالمعلومة والحوار والثقافة ..
ولا يمكن مواجهة هذا الواقع بالحنين الى الماضي وحده بل بتطوير المحتوى الصحفي وتعزيز المصداقية وتقديم الموضوعات التي تمس حياة المواطن وقضاياه مع الاستفادة من المنصات الرقمية للوصول الى القراء الجدد ..
فالصحافة لا تقاس بعدد الاوراق المطبوعة ولا بثمن النسخة بل بقدرتها على ايصال الحقيقة وتفسير الاحداث ومساءلة الواقع .. واذا كانت الجريدة قد خسرت مكانتها على طاولات المقاهي وفي الشارع العراقي فلا ينبغي ان تخسر دورها في تشكيل الوعي لان المجتمع الذي يكتفي بمتابعة الاعلان وينصرف عن قراءة ما وراءه قد يعرف ما صدر من قرارات لكنه يبقى بحاجة الى من يشرح له اثرها في حياته ومستقبله .