التغافل فنُّ الكبار…



وكالة الأنباء العراقية المستقلة  بغداد ,, 

ايمان السوداني ,, 

لولا التغافل لضاقت القلوب وانقطعت المودّات

التغافل عن بعض ما نعرفه ليس ضعفاً، ولا جهلاً، ولا عجزاً عن المواجهة، بل هو حكمةٌ لا يتقنها إلا أصحاب النفوس الراقية والقلوب الكبيرة. فكم من كلمةٍ سمعناها وتجاوزنا عنها، وكم من موقفٍ فهمنا حقيقته واخترنا الصمت أمامه، لا لأننا لا نعرف، بل لأننا نعرف أن بعض الأمور لا تستحق أن نخسر من أجلها إنساناً، أو نُفسد بها علاقةً، أو نزرع في القلوب جفاءً لا تمحوه الأيام بسهولة.

إن الحياة لا تستقيم بكثرة العتاب، ولا تدوم العلاقات بالتدقيق في كل كلمة وتصرف، فلو توقفنا عند كل زلّة، وحاسبنا الآخرين على كل هفوة، لتحولت بيوتنا إلى ساحاتٍ للخلاف، ولأصبحت الصداقة ثقلاً، وصارت المحبة حذراً وخوفاً من الخطأ.

التغافل ليس أن نسمح للآخرين باستغلال طيبتنا، ولا أن نتنازل عن كرامتنا وحقوقنا، بل أن نعرف متى نتكلم ومتى نصمت، ومتى نعاتب ومتى نمرّ على الأمر بسلام. فهناك أمور صغيرة يكبرها الجدال، ومواقف عابرة يحولها الإصرار على العتاب إلى جراحٍ طويلة.

والإنسان الحكيم لا يكشف في كل مرة أنه فهم ما جرى، ولا يجعل الآخرين يشعرون بأنهم تحت المراقبة والمحاسبة الدائمة؛ بل يمنحهم مساحةً للخطأ، وفرصةً للتراجع، وباباً للاعتذار. فليس كل ما نعرفه يجب أن يُقال، وليس كل ما نراه يستحق أن نواجه به الآخرين.

كم من زوجين فرّق بينهما العناد، وكم من أخوين باعدت بينهما كلمة، وكم من صديقين انتهت مودّتهما لأن كلاً منهما أراد أن يثبت أنه على حق! ولو تغافل أحدهما عن بعض التفاصيل، واختار الآخر الاعتذار، لبقيت المودة وحُفظت العِشرة.

لكن للتغافل حدوداً؛ فحين يتكرر الأذى، وتُستباح الكرامة، وتتحول الطيبة إلى فرصة للاستغلال، يصبح وضع الحدود ضرورةً لا قسوة. فالحكمة أن نتغافل عن الهفوات، لا عن الظلم، وأن نعفو حين يكون العفو إصلاحاً، لا أن نسمح للأذى بأن يصبح عادة.

إن أجمل ما في التغافل أنه يحفظ للقلوب صفاءها، وللعلاقات بقاءها، وللإنسان هيبته. فليس كل صامتٍ غافلاً، وليس كل متجاوزٍ ضعيفاً؛ فقد يكون الصمت فهماً، والتجاوز نضجاً، وترك الجدال انتصاراً للنفس على رغبتها في الرد.

فلنتعلم أن نترك بعض الأمور تمرّ، وأن نمنح من نحب مساحةً من الرحمة، وأن نتذكر أن العِشرة الطيبة لا تُبنى على الكمال، بل على الصبر والتسامح وحسن الظن. فلو لم نتغافل عن بعض ما نعرف، لضاقت بنا الحياة، ولما طابت لنا عشرة، ولا دامت بيننا مودّة:  من حكمة مولاي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

 «التغافل من فعل الكرام»،

وما أجمل أن نتأمل في معنى هذه الحكمة؛ فالكرامة ليست في أن نردّ على كل كلمة، ولا في أن نكشف كل خطأ، بل في أن نملك أنفسنا حين نقدر على الرد، وأن نختار الإصلاح حين يكون ممكناً، وأن نترفع عن صغائر الأمور من دون أن نفرّط بحقوقنا.

ومن اقوال وحكمة مولانا الأمام علي عليه السلام، الذي نتعلم من نهجه أن قوة الإنسان ليست في غلبة الآخرين، بل في تهذيب نفسه، وإقامة العدل، والتحلي بمكارم الأخلاق. فطوبى لمن عرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يعفو، ومتى يضع حدّاً يحفظ به كرامته؛ فبالحكمة تصفو القلوب، وبالتسامح تدوم المودّات، وبالأخلاق تسمو الحياة. يقول الأمام علي عليه السلام

نصف العافيه في التغافل


بواسطة ina
اضيف 2026-10-21
مشاهدات 42
اخر تحديث 2026/10/22 - 12:37 AM

تعليق جديد

اخبار مشابهة

جميع الحقوق محفوظة www.Ina-Iraq.net © 2026