حين يتحول الدلال إلى فشل تربوي...



وكالة الأنباء العراقية المستقلة بغداد ,,, 

ايمان السوداني ,, 

 أموالٌ تُنفق بسخاء وأجيالٌ تفتقد المسؤولية!

ليست التربية أن نمنح أبناءنا كل ما يطلبون، وليست المحبة أن نفتح أمامهم أبواب الإنفاق بلا حدود، بل إن التربية الحقيقية هي أن نعلّمهم كيف يعيشون بكرامة، وكيف يتحملون المسؤولية، ويميزون بين الحاجة والرغبة، وبين ما يستحقونه وما يجب عليهم السعي للحصول عليه.

في بعض البيوت، أصبح الإفراط في الإنفاق على الأبناء ظاهرة تستحق الوقوف عندها؛ إذ يسارع بعض الآباء والأمهات إلى تلبية كل طلب، وشراء كل جديد، وتوفير كل ما يرغب فيه الأبناء، خوفاً من أن يشعروا بالنقص أو يبتعدوا عن أقرانهم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كل ما نقدمه لأبنائنا يصنع منهم أشخاصاً ناجحين، أم أن بعض ما نقدمه لهم قد يحرمهم فرصة تعلم الصبر والاعتماد على النفس؟

إن المشكلة لا تكمن في الإنفاق على الأبناء، فذلك واجب ومسؤولية، وإنما تكمن في غياب الاعتدال، حين يتحول المال من وسيلة لتوفير الحياة الكريمة إلى بديل عن الحوار والتوجيه والمتابعة. فالطفل الذي يحصل على كل شيء من دون أن يتعلم قيمة الأشياء قد يكبر وهو يعتقد أن الحياة مطالبة بتلبية رغباته، وأن الرفض إهانة، وأن الحرمان من بعض الكماليات ظلم لا يُحتمل.

التربية ليست ملابس باهظة الثمن، ولا هواتف حديثة، ولا مصروفاً مفتوحاً؛ التربية أخلاقٌ تُغرس، وقيمٌ تُبنى، وحدودٌ يتعلم الأبناء احترامها.

ومن هنا تبدأ مسؤولية الأسرة؛ فالأب الذي يعمل لساعات طويلة ليؤمّن احتياجات أبنائه، ثم يحاول تعويض غيابه عنهم بالمال والهدايا وحدها، قد لا يدرك أن أبناءه يحتاجون إلى وقته واهتمامه بقدر حاجتهم إلى احتياجاتهم المادية. والأم التي تخشى إغضاب أبنائها فترفض توجيههم أو محاسبتهم، قد تجد نفسها أمام سلوكيات يصعب تعديلها عندما يكبرون.

ولا يعني الاعتدال في الإنفاق حرمان الأبناء أو التضييق عليهم، بل يعني توفير احتياجاتهم الأساسية، ومراعاة إمكانات الأسرة، وتعليمهم أن لكل شيء قيمة، وأن المال ثمرة جهد وتعب، وأن احترام الآخرين لا يرتبط بما يملكونه من ملابس أو أجهزة أو مظاهر مادية.

كما أن المدرسة وحدها لا تستطيع إصلاح ما تتركه الأسرة من فراغ تربوي؛ فالتنشئة مسؤولية مشتركة بين البيت والمدرسة والمجتمع. وإذا نشأ الطفل على غياب الحدود، وعدم تقبل النقد، وعدم احترام حقوق الآخرين، فإن معالجة هذه السلوكيات تتطلب تعاوناً وصبراً وقدوة حسنة، لا مجرد عقاب أو توبيخ.

ومن الخطأ أيضاً أن نحمّل الأبناء وحدهم مسؤولية كل خلل، فالسلوك يُكتسب من مصادر متعددة، والأسرة مطالبة بمراجعة أساليبها قبل أن تطالب أبناءها بالتغيير. فالتربية الناجحة لا تقوم على القسوة، كما لا تقوم على التدليل المفرط، وإنما تقوم على المحبة الواعية والحزم العادل والقدوة الصالحة.

وهنا نوجّه رسالة إلى كل أب وأم: لا تجعلوا المال وسيلة لشراء رضا أبنائكم، ولا تجعلوا الخوف من رفض طلباتهم سبباً في إلغاء دوركم التربوي. علّموهم أن النجاح يحتاج إلى اجتهاد، وأن الحقوق تقابلها مسؤوليات، وأن الإنسان لا تُقاس قيمته بما يملك، بل بما يحمل من أخلاق ومبادئ واحترام للآخرين.

إننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار للتربية داخل الأسرة، وإلى نشر ثقافة الاعتدال في الإنفاق، وتعزيز الحوار بين الآباء والأبناء، ومتابعة السلوك الدراسي والاجتماعي، وتدريب الأبناء على إدارة مصروفهم واحترام المال العام والخاص، حتى ينشأ جيل يعرف قيمة العمل ويؤمن بأن العطاء الحقيقي لا يكون بتوفير كل شيء، بل بإعداد إنسان يستطيع مواجهة الحياة بوعي وثقة.

إن المال قد يفتح أبواباً كثيرة أمام الأبناء، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع إنساناً مسؤولاً. فكم من طفل نشأ في بيت بسيط فكبر صاحب أخلاق وموقف، وكم من إنسان توفرت له أسباب الرفاهية لكنه افتقد التقدير والمسؤولية. لذلك، فإن أعظم ما يتركه الآباء لأبنائهم ليس رصيداً مالياً فحسب، بل ضميراً حياً، وتربية متوازنة، وقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ.

فهل نراجع أساليب تربيتنا قبل أن نلوم أبناءنا على نتائج لم ننتبه إلى أسبابها؟ إن مستقبل الأجيال يبدأ من البيت، ومن وعي الأسرة بأن الحب بلا حكمة قد يفسد ما أراد أن يصلحه، وأن الاعتدال في العطاء ليس حرماناً، بل وجهٌ من وجوه التربية السليمة.

قال رسول الله(ص) «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»

فالأب والأم مسؤولان عن تربية أبنائهما، لا عن إشباع رغباتهم فحسب؛ وأعظم الرعاية أن يجمع الوالدان بين الرحمة والتوجيه، وبين العطاء والتعليم، حتى ينشأ الأبناء صالحين لأنفسهم ومجتمعهم.


بواسطة ina
اضيف 2026-10-28
مشاهدات 52
اخر تحديث 2026/10/29 - 1:22 AM

تعليق جديد

اخبار مشابهة

جميع الحقوق محفوظة www.Ina-Iraq.net © 2026