وكالة الأنباء العراقية المستقلة بغداد ,,, .
نبيل هادي الشمري ,,
رسالة الإنسان بين العبادة وبناء الحضارة
تُعد الآية الكريمة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ
الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ
أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 31)، من
أكثر الآيات القرآنية التي تكشف عن سر تمييز الإنسان ووظيفته في الأرض.
غالبًا ما فُسرت "الأسماء"
بأنها أسماء الأشياء والمخلوقات، لكن الآية تحتمل أيضًا فهمًا أوسع؛ فالله لم يمنح
آدم قائمة جاهزة بكل علوم المستقبل، وإنما أودع فيه القدرة على المعرفة والتعلم
والتصنيف والاستنتاج، أي الأساس العقلي الذي يمكّن الإنسان من اكتشاف سنن الكون،
وتطوير العلوم، وتحويل المعرفة إلى منفعة للناس. لقد كانت البداية الإلهية، أما
مسيرة العلم فقد أُوكلت إلى الإنسان.
ولهذا جاء اعتراف الملائكة:
﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، في إشارة إلى أن لكل
مخلوق وظيفته، وأن خصوصية الإنسان تكمن في قابليته للتعلم والبحث والإبداع، وهي
القابلية التي تؤهله لتحمل مسؤولية الاستخلاف في الأرض.
وتؤكد آيات كثيرة هذا المنهج، مثل قوله
تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾، وقوله: ﴿أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
فالقرآن لا يدعو إلى تعطيل العقل، بل إلى تشغيله لفهم الكون واكتشاف قوانينه
وتسخيرها فيما ينفع الإنسان.
ومن هنا يصبح البحث العلمي، والطب،
والهندسة، والزراعة، والصناعة، والتقنيات الحديثة، ليست أعمالًا منفصلة عن رسالة
الإنسان، بل امتدادًا لوظيفته في إعمار الأرض وتحقيق الخير للناس. فكل علاج يخفف
ألمًا، وكل اختراع يحفظ حياة، وكل مشروع يحقق الأمن الغذائي أو يحمي البيئة، هو
ثمرة لاستخدام نعمة العقل التي أودعها الله في الإنسان.
لكن المشكلة بدأت عندما اختزل بعض
الناس الدين في أداء العبادات والشعائر وحدها، مع إهمال الرسالة القرآنية في
التفكر والبحث وإعمار الأرض. فتحول العقل، الذي أراده الله أداة لاكتشاف الحقائق
وخدمة الإنسان، إلى عقل مشغول بالجدل والتقليد أكثر من انشغاله بالإنتاج
والابتكار. ولم يعد السؤال: كيف نبني؟ وكيف نعالج؟ وكيف نطور؟ بل انشغل كثيرون
بقضايا فرعية على حساب بناء الإنسان والمجتمع.
إن العبادة في القرآن لا تنفصل عن
عمارة الأرض، ولا يتعارض السجود لله مع إنشاء مختبر، أو بناء مصنع، أو تطوير دواء،
أو اكتشاف تقنية جديدة. بل إن تسخير العلم لرفع معاناة البشر، ومكافحة الفقر
والمرض والجهل، هو من أعظم صور الوفاء بالأمانة التي حملها الإنسان.
ولعل من نتائج إهمال هذا الفهم أن
أصبحت أمم كثيرة تستهلك ما ينتجه غيرها، وتعتمد على علوم الآخرين وتقنياتهم، بعدما
كانت رسالة القرآن تدعو إلى النظر والتجربة والتدبر. فليس العجز قدرًا، وإنما هو
نتيجة طبيعية عندما يُهمَّش العقل الذي كرمه الله، ويُستبدل بالجمود والتقليد.
إن قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ
الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ يمكن فهمه على أنه إعلان عن انطلاق المشروع المعرفي
للإنسان؛ مشروع لا ينتهي، يقوم على التعلم والبحث والاكتشاف والتطوير المستمر.
فالله منح الإنسان مفاتيح المعرفة، وترك له مسؤولية فتح أبوابها، لتكون ثمرة هذا
الجهد حضارةً تخدم الإنسان، وتحقق مقصد الاستخلاف، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ
أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، أي طلب منكم عمارتها
وإصلاحها، لا الاكتفاء بالعيش عليها. |